اتبني
قارىء صديق لحماستي للمشهد
الديموقراطي في إيران الذي
أسفرت عنه الانتخابات
البرلمانية التي تمت يوم الجمعة
في 18 شباط 2000 الحالي. واعتبر هذا
القارىء الصديق أن "حماستي"
تعود إلى الغضب الذي يشعر به
المواطن العربي لضيق مساحة حرية
التعبير المتاحة في العالم
العربي، والتي ما هي إلاّ تجسيد
للمثل الذي يدعو الشمطاء إلى
التغني بجمال جارتها. وكما يقول
المثل الإنكليزي أن العشب
دائماً أكثر اخضراراً على
الجانب الآخر من حديقة الجيران،
يؤكد صديقي أن العشب الإيراني
ليس بالاخضرار الذي ذكرته. وأن
الديموقراطية عند الجيران
الإيرانيين ليست هي من النوع
الذي على العرب تقليده أو التحسر
على عدم ممارستهم لهذا النمط من
العمل السياسي. فالديموقراطية
الإيرانية ـ في رأي ذلك القارىء
الصديق ـ مشكوك في صدقها كما هو
مشكوك في إسلامها. ورأي ذلك
القارىء في الواقع ما هو إلاّ
تعبير عن موقف شريحة لا بأس بها
من "المحافظين" العرب في
وجه المتحمسين من "الليبيراليين"
العرب، الذين شعروا أن الممارسة
الإيرانية للديموقراطية عن طريق
الاقتراع المباشر في انتخابات
برلمانية لم تتدخل السلطة فيها
لتقمع طرفاً من الأطراف، حملت
إلى المجلس النيابي (الشورى)
أكثرية إصلاحية، تهدد الكثير من
المسلمات العربية، وأهمها
وأخطرها التشكيك في إسلامية هذه
الانتخابات بقدر ما تشكك في
نموذج الإسلام الفارسي.
والتشكيك يأتي من سؤال بسيط واحد:
هل الإسلام والديموقراطية أمران
متطابقان؟ كيف تكون ديموقراطياً
الجواب الأكيد على هذا السؤال لا
تحسمه نتائج الانتخابات
الإيرانية وحدها، لكن من الممكن
أن تشير إلى بعض ملامح اتجاهات
علاقة الإسلام بالديموقراطية
على ضوء عشرين سنة من تجربة
الثورة الإسلامية في إيران. لكن
السؤال الأساسي تحديداً: هل يمكن
لنظام إسلامي، أياً كان مذهبه،
أن يكون ديموقراطياً؟ إن كل ما
فعله الإيرانيون أنهم انتخبوا
بطريقة عادلة ومعقولة، من ضمن
قواعد اختيار المرشحين، ممثلين
لهم. لكن هل لهؤلاء الممثلين
المنتخبين من حرية الحركة
والصلاحيات ما يسمح لهم التعبير
بحرية من داخل النظام للثورة
الإسلامية مما يثبت فعلاً قدرة
ذلك النظام الإسلامي على أن يكون
ديموقراطياً بقدر ما يكون
مفتوحاً ومنفتحاً؟ الجواب فعلاً
ليس سهلاً، بل قد يكون في
التحليل النهائي سلبياً، بمعنى
أن النظام الإيراني لا يمكن أن
يكون ديموقراطياً بالمعنى
الليبيرالي المتعارف عليه،
وبالمقاييس الغربية التي تحكم
بواسطتها دول العالم عليه. فكل
ما قام به الرئيس سيد محمد خاتمي
أنه نجح في جعل الدولة الدينية
الثيوقراطية أقل تزمتاً، محققاً
مطلب الإيرانيين (شباناً ونخبة،
إدارة وقضاءً) في التحرر من
طغيان رجال الدين وسيطرة أصحاب
العمائم، الذين أخذوا يجدون،
نتيجة لتوجهات خاتمي وإصلاحاته،
صعوبة بالغة في احتواء أو ردع
هؤلاء الشبان عن طموحاتهم. هذا
داخل إيران، أما خارجها فإن
الإسلام السياسي يبدو وكأن قد
وهنت عزيمته، وخاصة بعد ذلك المد
الكاسح الذي عرفه من بعد قيام
الثورة الإسلامية في إيران في
العام 1979 . لكن الإسلام السياسي
لم يخسر قدرته على تخويف الغرب
منه. فالرعب من مواقفه
وانعكاساته على كثير من الشعوب
والبلدان الإسلامية، يصل أيضاً
إلى عواصم الغرب ويقلقها. فمن
نيجيريا ذات الأكثرية الإسلامية
والأقلية المسيحية والوثنية،
التي تريد تطبيق الشريعة
الإسلامية في بعض ولاياتها، إلى
معظم الدول العربية التي تنظر
إلى الإسلام السياسي بكل حذر
وريبة، تجد من الصعب القبول
بنموذج الإسلام الإيراني
وديموقراطيته الخاصة به. فمعظم
العلمانيين يشتركون في خوف
بسيط، وهو أنه متى سيطر
السياسيون الإسلاميون على مركز
أو سلطة ما، وخاصة إذا وصلوا
إليها عن طريق الانتخاب
الديموقراطي فلن يتخلوا عنها
لأحد من أي اتجاه آخر ولو بالقوة.
فالإسلاميون أنفسهم يغذون ذلك
الخوف عندما يدّعون أن سلطتهم هي
من الله، وأن الدين والدولة وحدة
لا تتجزأ، وأن الفصل بينهما هو
هرطقة علمانية وكفر مرفوض. لكن
إيران إلى الآن هي المثال الوحيد
على الإسلام السياسي الراديكالي
الذي يمارس نوعاً من
الديموقراطية، التي هي شيء يشبه
ولو من بعيد الديموقراطية
الغربية. فمع الإصلاحات
الديموقراطية التي دعا إليها
الكثير من المرشحين في هذه
الانتخابات الأخيرة، ظهرت مواقف
إيرانية شجاعة للعديد من
السياسيين من أصحاب العمائم بأن
السلطة السياسية في البلاد، وإن
كانت هي سلطة إلهية أصلاً، إنما
هي سلطة على الناس أن يستشاروا
فيها، لأن سلطة الشعب هي من سلطة
الله. لذا من المبكر القول بأن
التجربة الانتخابية قد ألقت
بظلالها على الوضع الإيراني
برمته بحيث أثبتت أن الإسلام
السياسي الديموقراطي لا يجد
نفسه بعيداً عن التطابق مع
الإسلام، من جملة مفاهيمه
المتعددة. والعالم الإسلامي لا
يملك أمثلة من الحكم الصالح ذات
الأنظمة السياسية ذات السمعة
الطيبة، فكيف بالأنظمة العربية
غير الديموقراطية التي لا
مصداقية لها؟ لكن الأوتوقراطيين
من رجال الدين وسواهم قلما تجد
من بينهم مَـنْ يعارض أي تقارب
علناً، بين الدين والدولة، لأن
في اعتقادهم أن الدين يحصنهم في
وجه الديموقراطية وهم المعترضون
الأزليون على أي محتوى قومي.
|