16 آذار 1998 عن خريطة العالم العربي الجديدة:
ماذا قال السير مارك والمسيو فرنسوا،
للمستر بيل والرفيق بوريس؟
Page 1:7
الصراع ليس كله مؤامرة.
المؤامرة موجودة في التاريخ، لكن التاريخ ليس مؤامرة.
محمد حسنين هيكل
هناك حكايتان.
أعرف أن الحكاية الأولى وقعت بين العامين 1914 و1922.
أما الحكاية الثانية فلا أعرف إذا كانت ستقع أم لا، وإن كنت أعتقد أن بداياتها تعود إلى 1989، أو نحو ذلك.
في الحكاية الأولى، يروي التاريخ أنه في يوم من أيام العام 1916، اجتمع في يوم مكفهر في باريس، رجلان من رجال السياسة الأوروبية. واحد يمثل ما كان يُسمى بـ «الأمبراطورية البريطانية» في حينه، وآخر ما كان يُسمى بـ «الأمبراطورية الفرنسية»، وقررا اقتسام تركة الرجل العثماني المريض في الآستانة، في ما كان يُعرف بـ «الشرق الأدنى»، من قبل أن يتوسع هذا المصطلح ويتطور إلى ما هو عليه اليوم، وبات يعرف باسم «الشرق الأوسط» ليشمل بلداناً تتعدى «الهلال الخصيب».
كان الأول اسمه السير مارك سايكس، والآخر اسمه المسيو فرنسوا جورج بيكو. الأول ممثل مصالح الأمبراطورية البريطانية والثاني ممثل مصالح الأمبراطورية الفرنسية. في تلك السنة (1916) تمَّ التوقيع بينهما على ما سُمي بـ «اتفاق سايكس ـ بيكو» في 3 كانون الثاني وصدق عليه في شباط، وهو الاتفاق الذي تمت على يده ولادة الكيانات العربية كما نعرفها اليوم.
كان السير مارك سايكس، السياسي البريطاني وعضو مجلس العموم في العام 1911 ثرياً كاثوليكياً، ينتمي إلى حزب المحافظين، عيّنه اللورد كيتشنر وزير الحربية البريطاني، عضواً في «لجنة شؤون الشرق الأوسط» التابعة لوزارته. وكان يمثل مخططات وزير الحربية لا آراء وزير الخارجية السير إدوارد غراي. وكان سايكس ملحقاً في السفارة البريطانية في القسطنطينية عند اندلاع الحرب الكبرى في العام 1914، وكان مطلعاً على أوضاع المنطقة وخبيراً بشؤونها، وغير ميال في البداية، لتقطيع أوصال الأمبراطورية العثمانية وضمها إلى دوائر نفوذ مختلفة وتقسيمها إلى مستعمرات أوروبية. ولم يكن ممانعاً في بداية الأمر، من إعطاء دور لفرنسا في المنطقة.
وكان المسيو فرنسوا جورج بيكو، سليل أسرة أريستوقراطية فرنسية، مؤمنة بالاستعمار. انضم إلى وزارة الخارجية وعمل من خلالها في تسويق الدور الاستعماري لفرنسا في آسيا وأفريقيا. داعياً للعمل «من أجل سورية فرنسية». وقاد حملة في البرلمان الفرنسي ضد الوزراء الذين أيدوا إبعاد فرنسا عن بريطانيا وترك منطقة الشرق الأوسط للبريطانيين وحدهم. وكان يمثل «الحزب السوري» في السياسة الفرنسية، وحجته أن سورية (بما فيها لبنان) وفلسطين، تشكلان بلداً واحداً، هو «فرنسا الشرق الأدنى». وكان بيكو يفضل أن تبقى الأمبراطورية العثمانية على حالها، لأن ذلك يوفر لفرنسا نفوذاً اقتصادياً غير محدود. أما وقد تقرر تقسيمها، فأراد أن تكون لبلاده السيطرة الكاملة على سورية وفلسطين وأجزاء أخرى.
ونعرف من التاريخ أيضاً أن «اتفاق سايكس ـ بيكو» هو نتيجة صراع بريطاني ـ فرنسي، أعاد تشكيل الشرق الأوسط، كعمل من أعمال سياسة القوى الأوروبية الكبرى في زمن التوسع الاستعماري الأوربي عقب الحرب العالمية الأولى. صحيح أن اتفاق السير مارك والمسيو فرنسوا، كان محصوراً في المشرق العربي (أي سورية، لبنان، فلسطين، الأردن، العراق)، إلاّ أن دوره كان يشمل الشرق الأوسط بمفهومه الأوسع، أي بالإضافة إلى دول المشرق، كان هناك مصر وإيران وتركيا والجزيرة العربية. إلى جانب إيران وأفغانستان ودول آسيا الوسطى الروسية آنذاك، السوفياتية فيما بعد. وكانت ساحة الصراع تمتد حول طريق الهند، الذي حتى ذلك التاريخ، كانت بريطانيا تحاول الدفاع عنه في وجه هجمات فرنسا وروسيا.

 

Next Page

 


| Profile | Catalogue | Posters | Search | E-mail Us | Contact Us | Home | Annuqad | Weekly Articles |